الصديق .. علي – عندما يخفق الشعر في تضميد الجرح و ترتبك
مشاعر الحنين ، حيث لا شيء إلا شظايا الماضي المحترق ، ها كفي أمدها إليك ، جدد أنفاس الحلم ، انهض و بعثر الظلام الذي أمامك .
--------------------------------------------------------------------
رياح ديسمبر الباردة تخترق مسامات جلده ، رائحة الفحم مميزة في هذا الوقت
من الظهيرة ، ينضج فوق نار الموقد الغازي
، ساعة واحدة وسوف يحتشد المجلس بهن ، ينبغي أن يكون كل شيء جاهز .
رائحة الفحم والدفء هنا في المطبخ تناديه لطقس لذيذ ، أدنى مقعدا بلاستيكي
من الموقد ، ترك أوصاله تستعيد نشاطها ، تتدفق الحرارة ويتشتت بعض البرد . تدخل
للمطبخ وفي يدها طاسة معدنية أعتادت تحضير التبغ في جوفها المليء بالتبعجات .
تحضر أربع رؤوس ، لكل ( كدو ) رأس يفرقع جمره وبعد قليل ستنتعش النسوة
المدخنات بنكهة التبغ الفاخر الذي تشتريه لمأتمها الذي سيضج بياءات الحسرة والحزن على
مصاب الحسين وأهله في يوم الطف . عصرية الجمعة تزداد أعدادهن ، يتفاوتن في الحجم و
الطول والعمر ، لا جديد في أغلب الوجوه هنا ، كلهن نساء الحي من الجيران أو بناتهن
، متى ما أخذ المأتم وقته يتفرقن وتبقى بعض العجائز الشرهات ، يدخن مع أمه ويثرثرن
في المطبخ .
أصبح التبغ جاهزا ، عصرته من بقايا الماء ، تعرف الكمية المطلوبة فوق كل
رأس ، كما تعرف مقدار مرارة القهوة بالهيل ، تستهوي نسوة المأتم . أعطته كأس شاي ،
تنظر إليه ، تهز رأسها ..
-
تحمى يا ولدي على قلة الفائدة ، شوية فحم
تتبخر برائحته ، يخلف الله عليك لو أنك تفاهمت معها و..
-
أماه .. الموضوع أنتهى والبنيه الله يسرها وهي
التي ..
-
لو أنك يا حظي ألزمتها ، ما قعدت هذه القعدة ،لكنت وياها في
لحاف واحد والله ساتر عليك من نعيمه ، البنية ما تنعاب بس ما أدري الناس حاسديني .
-
كل واحد و نصيبه .
-
أنا أدري بك يا ولدي ..
بماذا تدري ؟ عن ليالي الأرق الطويلة تعوم في تخومها أشباح الفتيات يتمخترن
، يضحكن ، يلعبن عند حدود العطش ، كلما أصطاد غزالة منهن تحولت بين ذراعيه لدخان !
بماذا تدري ؟ عن طيفها الملتصق بذاكرته التي لا تزال تنزف قيح ذاك اليوم
حينما فسخت الدبلة وهو ذاهل العينين ، لم يستوعب سهولة الكلمات التي قالتها بصوت
واهن ، تحدق في فراغ الجدار ، تعلل فعلها أنهما لا يصلحان لعضهما وأن هناك حلقات
كثيرة مفقودة في العلاقة وأستسلمت لايقاعها الأنثوي الباكي .
طوال الطريق كانت صامته في المقعد الأمامي ، أختارت نهاية السير نحو هاوية
سحيقة ، حاول اعادة الدبلة لكنها صدته ، ذهبت بعيدا وهددت بأنها ستنتحر لتحقق
انفصالا من طرف واحد إن لزم الأمر !
يحدق في الشعلة البرتقالية للفحم ، يزداد برد الروح ما من شيء يدفء خوائها
المتراكم بالمرارات . لا يدري كم سيطول تورطه الحائر في هذه الدوائر ، حتى لو
نساها قليلا ، تعود هذه الأم المحبطة لتشعل حطب الوجع ثانية . بات يكره نفسه كلما
تراكمت الخسارات والانهيارات ، هو يعرف توقيت انتهاء المأتم عندما تفرغ ( الملاية
) من فجائع كربلاء ولملمة مصير المسبيات على النوق الهزيلة ، تساط بالعذاب و
المجهول ، يعرف أن جاراتها مثل كل مرة ، سيوفرن الصور المعطرة للفراشات . هذه
سمينة وأخرى رشيقه لكنما الروح توقف غناؤها عند ضفاف الحسرة . ألتفت لأمه ، غادرت المطبخ
لتكمل تجهيز مأتمها ، بدأت النسوة بالتوافد على المكان ، وهو أدنى مقعده من الموقد الغازي
العتيق ، يفرقع الفحم بشرره مثل هذه الروح العاطلة عن مواسم الفرح ، كلما أشتعل أنينها
تفرقع المزيد من الخيبات . يرتجف من أعماقه المخنوقه الآن ، جيوش من أشباح
الذكريات تتحالف ضد هشاشة مركبه المبحر في ورطة العمر . بحث عن اسمها مابين السطور
الإلكترونية ، يحتاج الآن القليل من ملح صوتها عسى أن تهدأ اضطراباته أو .. الرد
الآلي الجامد مثل كل مرة يلوث سمعه بالقسوة
( عفوا .. إن الرقم المطلوب ... )
يرتد إلى التخندق في حفر عجزه . أهي صحاري
جليدية تحاصره الآن وتحكم عليه بالنفي ، برد ، برد ، يكرر الإتصال بلا جدوى ،
يتراكم كل توقه لبادرة أمل تنتشله من قبره الثلجي ، هنا متورط في سأمه ويأسه يرتعش
، برد ، برد لكن البرد لا يغادر .