الجمعة، 5 فبراير 2016

رابط شهادات ابداعية / وجود - أحمد المؤذن



شاهد الرابط ..

https://www.youtube.com/watch?v=sUjgKI_cYSI


 

مجموعتي القصصية - من غابات الأسمنت .. دار فراديس / مملكة البحرين


غلاف مجموعتي القصصية .. رجل للبيع الفائزة بجائزة الصدى - دبي 2005/ 2006


غلاف روايتي .. وقت للخراب القادم / طبعة القاهرة


الأربعاء، 3 فبراير 2016

بلا رفيق / مجلة الكويت


حيث لا تأتين / المجلة العربية


قصة قصيرة - البرد لا يغادر




الصديق ..  علي  – عندما يخفق الشعر في تضميد الجرح و ترتبك مشاعر الحنين ، حيث لا شيء إلا شظايا الماضي المحترق ، ها كفي أمدها إليك ، جدد  أنفاس الحلم  ، انهض و بعثر الظلام الذي أمامك .

--------------------------------------------------------------------

رياح ديسمبر الباردة تخترق مسامات جلده ، رائحة الفحم مميزة في هذا الوقت من الظهيرة ، ينضج  فوق نار الموقد الغازي ، ساعة واحدة وسوف يحتشد المجلس بهن ، ينبغي أن يكون كل شيء جاهز .

رائحة الفحم والدفء هنا في المطبخ تناديه لطقس لذيذ ، أدنى مقعدا بلاستيكي من الموقد ، ترك أوصاله تستعيد نشاطها ، تتدفق الحرارة ويتشتت بعض البرد . تدخل للمطبخ وفي يدها طاسة معدنية أعتادت تحضير التبغ في جوفها المليء بالتبعجات .

تحضر أربع رؤوس ، لكل ( كدو ) رأس يفرقع جمره وبعد قليل ستنتعش النسوة المدخنات بنكهة التبغ الفاخر الذي تشتريه  لمأتمها الذي سيضج بياءات الحسرة والحزن على مصاب الحسين وأهله في يوم الطف . عصرية الجمعة تزداد أعدادهن ، يتفاوتن في الحجم و الطول والعمر ، لا جديد في أغلب الوجوه هنا ، كلهن نساء الحي من الجيران أو بناتهن ، متى ما أخذ المأتم وقته يتفرقن وتبقى بعض العجائز الشرهات ، يدخن مع أمه ويثرثرن في المطبخ .

أصبح التبغ جاهزا ، عصرته من بقايا الماء ، تعرف الكمية المطلوبة فوق كل رأس ، كما تعرف مقدار مرارة القهوة بالهيل ، تستهوي نسوة المأتم . أعطته كأس شاي ، تنظر إليه ، تهز رأسها ..

-        تحمى يا ولدي على قلة الفائدة ، شوية فحم تتبخر برائحته ، يخلف الله عليك لو أنك تفاهمت معها و..

-        أماه .. الموضوع أنتهى والبنيه الله يسرها وهي التي ..

-        لو أنك يا حظي   ألزمتها ، ما قعدت هذه القعدة ،لكنت وياها في لحاف واحد والله ساتر عليك من نعيمه ، البنية ما تنعاب بس ما أدري الناس حاسديني .

-        كل واحد و نصيبه .

-        أنا أدري بك يا ولدي ..

بماذا تدري ؟ عن ليالي الأرق الطويلة تعوم في تخومها أشباح الفتيات يتمخترن ، يضحكن ، يلعبن عند حدود العطش ، كلما أصطاد غزالة منهن تحولت بين ذراعيه لدخان !

بماذا تدري ؟ عن طيفها الملتصق بذاكرته التي لا تزال تنزف قيح ذاك اليوم حينما فسخت الدبلة وهو ذاهل العينين ، لم يستوعب سهولة الكلمات التي قالتها بصوت واهن ، تحدق في فراغ الجدار ، تعلل فعلها أنهما لا يصلحان لعضهما وأن هناك حلقات كثيرة مفقودة في العلاقة وأستسلمت لايقاعها الأنثوي الباكي .

طوال الطريق كانت صامته في المقعد الأمامي ، أختارت نهاية السير نحو هاوية سحيقة ، حاول اعادة الدبلة لكنها صدته ، ذهبت بعيدا وهددت بأنها ستنتحر لتحقق انفصالا من طرف واحد إن لزم الأمر !

يحدق في الشعلة البرتقالية للفحم ، يزداد برد الروح ما من شيء يدفء خوائها المتراكم بالمرارات . لا يدري كم سيطول تورطه الحائر في هذه الدوائر ، حتى لو نساها قليلا ، تعود هذه الأم المحبطة لتشعل حطب الوجع ثانية . بات يكره نفسه كلما تراكمت الخسارات والانهيارات ، هو يعرف توقيت انتهاء المأتم عندما تفرغ ( الملاية ) من فجائع كربلاء ولملمة مصير المسبيات على النوق الهزيلة ، تساط بالعذاب و المجهول ، يعرف أن جاراتها مثل كل مرة ، سيوفرن الصور المعطرة للفراشات . هذه سمينة وأخرى رشيقه لكنما الروح توقف غناؤها عند ضفاف الحسرة . ألتفت لأمه ، غادرت المطبخ لتكمل تجهيز مأتمها ، بدأت النسوة بالتوافد  على المكان ، وهو أدنى مقعده من الموقد الغازي العتيق ، يفرقع الفحم بشرره مثل هذه الروح العاطلة عن مواسم الفرح ، كلما أشتعل أنينها تفرقع المزيد من الخيبات . يرتجف من أعماقه المخنوقه الآن ، جيوش من أشباح الذكريات تتحالف ضد هشاشة مركبه المبحر في ورطة العمر . بحث عن اسمها مابين السطور الإلكترونية ، يحتاج الآن القليل من ملح صوتها عسى أن تهدأ اضطراباته أو .. الرد الآلي الجامد مثل كل مرة يلوث سمعه بالقسوة  ( عفوا .. إن الرقم المطلوب  ... ) يرتد إلى التخندق في حفر عجزه .  أهي صحاري جليدية تحاصره الآن وتحكم عليه بالنفي ، برد ، برد ، يكرر الإتصال بلا جدوى ، يتراكم كل توقه لبادرة أمل تنتشله من قبره الثلجي ، هنا متورط في سأمه ويأسه يرتعش ، برد ، برد لكن البرد لا يغادر  .